محمد علي الحسن

235

المنار في علوم القرآن

لم يجاوزها حتى يعلموا ما فيها من العلم والعمل ، قالوا : فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعا ، ولهذا كانوا يبقون مدة في حفظ السورة . وقال أنس : كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جلّ في أعيننا . وأقام ابن عمر على حفظ البقرة عدة سنين ، قيل : ثمان سنين . ذكره مالك ، وذلك أن اللّه تعالى قال : كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ . . [ ص : 29 ] ، وقال : أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ . . [ النساء : 82 ] « 1 » . وقال : أَ فَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ . . [ المؤمنين : 68 ] . وتدبر الكلام بدون فهم معانيه لا يمكن . وكذلك قال تعالى : إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [ يوسف : 2 ] . وعقل الكلام متضمن لفهمه ، ومن المعلوم أن كل كلام المقصود منه فهم معانيه دون مجرد ألفاظه ، فالقرآن أولى بذلك . وأيضا فالعادة تمنع أن يقرأ قوم كتابا في فنّ من العلم ، كالطب والحساب ولا يستشرحوه ، فكيف بكلام اللّه تعالى ، الذي هو عصمتهم وبه ونجاتهم وسعادتهم ، وقيام دينهم وديناهم . انتهى كلام ابن تيمية « 2 » . مناقشة الأدلة التي استشهد بها القائلون بشمول البيان النبوي : 1 - لقد استدلوا بقوله تعالى : وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [ النحل : 44 ] . فقالوا : إن هذه الآية تفيد بأن على الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم أن يبين جميع ألفاظ القرآن ومعانيه ، فكلمة « ما » في قوله تعالى : ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ من صيغة العموم ، فتشمل جميع ما يندرج تحتها من ألفاظ القرآن ومعانيه ، ما لم تقم قرينة على التخصيص ببعض ذلك ، ولا قرينة هنا فيجب الحمل على العموم الشامل لجميع الألفاظ والمعاني .

--> ( 1 ) وسورة محمد : 24 . ( 2 ) مقدمة في أصول التفسير لابن تيمية . تحقيق د . عدنان زرزور ص 35 - 37 ، وانظر مجموعة الرسائل الكبرى لابن تيمية 2 / 31 : وتفسير القرطبي 1 / 70 ، وتعليق الشيخ أحمد الشاكر .